تواجه مصر مفارقة لافتة في قطاع الطاقة؛ فبعدما قدّمت نفسها لسنوات باعتبارها مركزًا للغاز في شرق المتوسط، تعتمد القاهرة بصورة متزايدة على واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات محطات الكهرباء والقطاع الصناعي، بينما تواصل في الوقت نفسه توظيف البنية التحتية للطاقة وموقعها الجغرافي وشبكات النقل في تعزيز نفوذها الإقليمي.

 

ويرى الدكتور كمران يغانغي، كاتب المقال، أن التحول لا يعني بالضرورة تراجع قوة مصر في مجال الطاقة، بل يعكس انتقالها من نموذج يقوم أساسًا على امتلاك الموارد إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على البنية التحتية ومسارات النقل ونقاط الربط الاستراتيجية.


وبحسب مقال يغانغي الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور، فإن السؤال المحوري لم يعد يتعلق بقدرة مصر على إنتاج الغاز بكميات كبيرة، وإنما بمدى قدرتها على مواصلة تصدير النفوذ في مجال الطاقة في وقت تتجه فيه إلى استيراد المزيد من الغاز الطبيعي المسال. ويشير المقال إلى أن القاهرة تحاول إعادة تعريف دورها الإقليمي من خلال التحكم في حركة الطاقة ومعالجتها وإعادة تصديرها، بدلًا من الاعتماد فقط على حجم احتياطياتها وإنتاجها المحلي.


من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد المتجدد على واردات الغاز


عزز اكتشاف حقل ظهر للغاز الطبيعي عام 2015 التوقعات بأن تتمكن مصر من تلبية احتياجاتها المحلية والتحول إلى مصدر موثوق للغاز في شرق المتوسط. وارتفع الإنتاج آنذاك، كما عادت محطتا إسالة الغاز في إدكو ودمياط إلى العمل، واستأنفت مصر صادرات الغاز الطبيعي المسال، ما وضع القاهرة في قلب خطط الطاقة الإقليمية الناشئة.


لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا. فقد تراجع إنتاج عدد من الحقول، بالتزامن مع ارتفاع استهلاك الكهرباء والنمو السكاني والتوسع في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، إلى جانب القيود التي واجهت الاستثمارات في عمليات التنقيب والإنتاج. وأدى ذلك إلى اختلال تدريجي في ميزان الغاز المصري.


وانخفض الإنتاج المصري بصورة كبيرة مقارنة بذروة عام 2021، ما دفع البلاد تدريجيًا من موقع مصدر للغاز الطبيعي المسال إلى موقع المستورد له.


وتشير وثائق رسمية راجعتها رويترز إلى أن إجمالي واردات مصر من الغاز، بما يشمل الإمدادات عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل وشحنات الغاز الطبيعي المسال، قد يصل إلى نحو 1.08 تريليون قدم مكعبة بين يوليو 2026 ويونيو 2027. كما تجري القاهرة مفاوضات بشأن عقود طويلة الأجل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال مع شركات طاقة كبرى، بهدف الحد من تأثير تقلبات الأسعار في السوق الفورية والاضطرابات الجيوسياسية.


وقد تعزز هذه العقود أمن الإمدادات، لكنها في المقابل ترفع تكلفة الاستيراد وتزيد الضغوط على احتياطيات مصر من العملات الأجنبية ومالية الدولة واقتصادها المثقل بالديون. وهكذا تحولت واردات الغاز إلى ضرورة تتعلق بأمن الطاقة، وفي الوقت نفسه إلى مصدر جديد للهشاشة الاقتصادية.


البنية التحتية تمنح مصر نفوذًا يتجاوز احتياطياتها


لا يعني تراجع الإنتاج المحلي نهاية الدور الإقليمي لمصر في مجال الطاقة، إذ تمتلك البلاد أصولًا يصعب على دول الجوار إعادة إنتاجها بسرعة، من بينها محطتا إسالة الغاز في إدكو ودمياط، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب، ووحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة، وقناة السويس، وخط أنابيب سوميد، فضلًا عن وصولها إلى البحرين المتوسط والأحمر.


وتتيح هذه الأصول لمصر أداء دور يتجاوز بكثير حجم احتياطياتها المحلية. إذ يمكن للغاز المنتج في دول أخرى أن يدخل الأراضي المصرية، ويخضع للمعالجة والإسالة في منشآتها، ثم يُشحن إلى الأسواق الأوروبية أو الآسيوية. ووفق هذا النموذج، لا تحتاج مصر إلى أن تكون المنتج الرئيسي للغاز، بل يكفي أن تتحكم في مسارات نقله وقدرات معالجته وربطه بالأسواق العالمية.


وتبرز الاتفاقات المصرية القبرصية المتعلقة بإمكانية نقل الغاز من حقلي كرونوس وأفروديت البحريين أهمية هذا الدور. وتشير الخطط الحالية إلى إمكانية وصول الغاز من حقل كرونوس إلى المنشآت المصرية في وقت لاحق من هذا العقد، قبل تصديره عبر محطة دمياط. وبالنسبة إلى قبرص، فإن إنشاء منشآت مستقلة لإسالة الغاز سيكون مكلفًا ويحتاج إلى وقت طويل، بينما توفر مصر بنية تحتية قائمة وقدرة أسرع على الوصول إلى الأسواق العالمية.


وفي منظومة الطاقة الإقليمية الناشئة، لا يتحدد النفوذ بالضرورة بزيادة حجم الإنتاج. فقد ينشأ النفوذ أيضًا من السيطرة على طرق النقل ومنشآت المعالجة ونقاط الربط. ولهذا تتحول مصر بصورة متزايدة من منتج رئيسي للغاز إلى وسيط للطاقة، أي دولة تستمد جزءًا من قيمتها الجيوسياسية من إدارة حركة الموارد.


وبالتالي، لم يعد الوزن الإقليمي لمصر مرتبطًا فقط بحجم احتياطياتها، بل بقدرتها على إدارة تدفقات الطاقة.


ومن خلال تموضعها عند نقطة التقاء منتجي الطاقة في شرق المتوسط بالمستهلكين الأوروبيين، تطور القاهرة شكلًا من النفوذ يقوم على الاعتماد المتبادل بدلًا من الاكتفاء الذاتي.


الاعتماد على إسرائيل يضيف هشاشة استراتيجية إلى معادلة الطاقة


لكن هذا النموذج لا يخلو من المخاطر. إذ يعتمد جزء من ميزان الغاز المصري حاليًا على واردات الغاز من حقلي تمار وليفياثان الإسرائيليين، في وقت تستهدف فيه خطط توسعة حقل ليفياثان زيادة الإمدادات إلى الأسواق الإقليمية، ومنها مصر.


وفي ظل حرب غزة واستمرار التوترات السياسية بين القاهرة وتل أبيب، اكتسب هذا الاعتماد أهمية تتجاوز تجارة الطاقة. فأي اضطراب في تدفقات الغاز الإسرائيلي قد يؤثر في إنتاج الكهرباء والنشاط الصناعي وتكلفة واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال.


وهنا تتعمق المفارقة؛ فالبنية التحتية التي تمنح مصر أدوات للنفوذ الإقليمي يمكن أن تتحول في الوقت ذاته إلى قنوات تنتقل عبرها التقلبات الجيوسياسية. وبالتالي، أصبح جزء من أمن إمدادات الطاقة في مصر مرتبطًا باستمرار تدفق الغاز عبر حدودها الشرقية.


ومع توسع دور مصر كمركز لمعالجة الغاز وإعادة تصديره، ستزداد أهمية أمن وتنوع مصادر الإمدادات الداخلة إليها. ويظل نفوذها في مجال الطاقة حقيقيًا، لكنه ليس مطلقًا، إذ تتحرك القاهرة داخل منظومة إقليمية لا تملك السيطرة الكاملة عليها.


تكلفة النفوذ الإقليمي على الاقتصاد المصري


تواجه هذه البنية المعقدة للطاقة والدبلوماسية تحديات اقتصادية صعبة داخل مصر نفسها. فارتفاع واردات الغاز الطبيعي المسال يفرض ضغوطًا كبيرة على احتياطيات النقد الأجنبي، ويرفع تكلفة إنتاج الكهرباء والصناعات.


ولتوفير مرونة أكبر في الإمدادات خلال فترات ذروة الطلب، وسعت مصر قدرتها على استقبال الغاز عبر أربع وحدات عائمة للتخزين وإعادة التغويز، تبلغ قدرتها الإجمالية نحو 2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا. ويعد هذا النظام ضروريًا لتجنب نقص الإمدادات، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن عمق اعتماد البلاد على الواردات.


وإذا اشترت مصر الغاز الطبيعي المسال بالعملة الأجنبية، واستهلكته محليًا بأسعار مدعومة، ولم تتمكن من تحقيق عائد تصديري كافٍ، فقد تتحول استراتيجية الطاقة من أصل استراتيجي إلى التزام مالي مكلف.


لذلك، لا يمكن قياس نجاح مصر بمجرد أعداد شحنات الغاز أو طول خطوط الأنابيب أو عدد الاتفاقات الإقليمية. فالاختبار الأهم يكمن في قدرة هذا النموذج على تحقيق أمن الطاقة للأسر، والحفاظ على تنافسية القطاع الصناعي، وضمان الاستقرار المالي في الوقت نفسه.


وتحتاج القاهرة إلى إنعاش الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء عبر تسريع التوسع في الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر الإمدادات الخارجية. ومن دون هذه العناصر، قد تتحول الدبلوماسية المصرية في مجال الطاقة من أداة للقوة إلى آلية لإدارة أزمة نقص الموارد.


من مركز للغاز إلى وسيط للطاقة


قد يكمن مستقبل مصر في مجال الطاقة لا في استعادة وفرة الغاز التي عرفتها في الماضي، وإنما في إعادة تعريف دورها الإقليمي في سوق الطاقة. فلم يعد النفوذ الاستراتيجي يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات أو كميات التصدير، بل يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على الربط بين المنتجين والأسواق ومسارات النقل.


وسيتوقف موقع القاهرة مستقبلًا على قدرتها على تحقيق توازن بين أمن الإمدادات المحلية، وتنويع الشراكات الخارجية، والاستغلال الاستراتيجي للبنية التحتية التي تمتلكها. وإذا نجحت في ذلك، فلن تعني زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال بالضرورة فشل استراتيجيتها، بل قد تصبح جزءًا من منظومة أوسع تمنح مصر دورًا في توفير الوصول والربط والنفوذ الإقليمي.


وفي نهاية المطاف، تختبر مفارقة الطاقة المصرية شكلًا جديدًا من القوة في الشرق الأوسط؛ إذ قد تنتج الدول موارد أقل، لكنها تظل أطرافًا محورية من خلال السيطرة على الشبكات التي تنتقل عبرها هذه الموارد.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260818-egypts-energy-paradox-importing-lng-exporting-influence/?amp